محمد سعيد رمضان البوطي

18

فقه السيرة ( البوطي )

العربية قبل أن ينمو فيها نبت أي ثقافة ، وقبل أن يمتد عليها رواق أي مدنية أو حضارة ! . . تشريع متكامل توجت به الجزيرة العربية ، وهي لا تزال في مرحلة المهد من سعيها إلى المعرفة والثقافة والحياة الاجتماعية المعقدة ، كيف يتفق ذلك مع ما هو بدهي عند علماء الاجتماع من أن نشأة القانون المتكامل في حياة الأمة ثمرة لنضجها الثقافي والحضاري ، ونتيجة لتركيبها الاجتماعي المتطور ؟ ! . . ألغاز مقفلة ، لا يمكن لمن لم يضع نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم في الحسبان ، أن يجد لها أي حلّ في نطاق الأسباب والتعليلات المادية المألوفة ، وكم رأينا من باحثين - من هذا القبيل - يتطوحون بأفكارهم ذات اليمين وذات الشمال بحثا عن مخرج من الحيرة ، دون أن يعودوا من سعيهم بأي طائل . ولكن سبيل المخرج من هذه الحيرة واضح مع ذلك ، فالسبيل هو أن نكون منطقيين وموضوعيين في دراسة السيرة النبوية ، نجعل من الهوية التي عرّف محمد صلى اللّه عليه وسلم على نفسه من خلالها محورا لدراسة حياته العامة كما قلنا . حتى إذا أسلمتنا هذه الدراسة إلى اليقين بأنه نبي مرسل من قبل اللّه عز وجل ، أسلمتنا نبوته بدورها إلى المخرج من الحيرة والوقوف على السر بالنسبة لهذه الألغاز ، أن النبي الصادق في نبوته لا بدّ أن يكون مؤيّدا من قبل الإله الذي أرسله ، ولا بد أن يكون القرآن وحي هذا الإله إليه . فالقانون المتكامل إذا تنزيله وشرعته وليس من تأليف أمة أمية حتى يقع العجب وتطبق الحيرة ، وهذا الإله يقول للمؤمنين في محكم تبيانه : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) [ آل عمران : 139 ] ويقول : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) [ القصص : 5 ] ويقول : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) [ الأنفال : 9 ] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) [ الأنفال : 10 ] . فقد اتضح المبهم ، وظهر الحل ، وانجابت الغاشية ، وعاد الأمر طبيعيا إذ ينصر خالق القوى والقدر عباده المؤمنين به الملتزمين بمنهجه ويحقق لهم الفوز على من يشاء . بل الحيرة كل الحيرة كانت تقع لو أن اللّه التزم النصر لرسوله والتأييد لعباده المؤمنين ، ثم لم تقع معجزة ذلك النصر والتأييد .